محمد سعيد رمضان البوطي
263
فقه السيرة ( البوطي )
الشخص الذي يستعان به ، فإن كان ممن يطمأنّ إليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة ، جازت وإلا فلا ، وعلى كل فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في كل الحالات ، إنما استعان بغير المسلمين بما دون القتال ، كإرساله عينا على الأعداء أو استعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك ، والذي يبدو أن الاستعانة بغير المسلمين في القضايا السلمية أشبه بالجواز منها في أعمال القتال والحرب . ثانيا : ( طبيعة الشورى في الإسلام ) ، لقد رأينا في عامة تصرفات الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما يدل على مشروعية الشورى وضرورة تمسك الحاكم بها ، وعمل النبي صلى اللّه عليه وسلم هنا ، يدل على طبيعة هذه الشورى والمعنى الذي شرعت من أجله ، فالشورى في الشريعة الإسلامية مشروعة ولكنها ليست ملزمة ، وإنما الحكمة منها استخراج وجوه الرأي عند المسلمين ، والبحث عن مصلحة قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض ، أو استطابة نفوسهم فإذا وجد الحاكم في آرائهم ما سكنت نفسه إليه على ضوء دلائل الشريعة الإسلامية وأحكامها ، أخذ به ، وإلا كان له أن يأخذ بما شاء بشرط أن لا يخالف نصا في كتاب ولا سنة ولا إجماعا للمسلمين . ولقد وجدنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استشار أصحابه في الحديبية ، وأشار عليه أبو بكر بما قد علمت ، قال له : إنك يا رسول اللّه خرجت عامدا لهذا البيت ، فتوجه له ، فمن صدنا عنه قاتلناه . ولقد وافقه النبي صلى اللّه عليه وسلم في بادىء الأمر ، ومضى مع أصحابه متجها إلى مكة حتى إذا بركت الناقة ، وعلم أنها ممنوعة . . ترك الرأي الذي كان قد أشير به عليه . وأعلن قائلا : « والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات اللّه إلا أعطيتهم إياها » ، وحينئذ تحول العمل عن ذلك الرأي الذي أبداه أبو بكر إلى أمر الصلح ، والموافقة على شروط المشركين ، دون أن يستشير في ذلك أحدا ، بل ودون أن يصيخ إلى استعظام واستنكار المستنكرين كما قد رأيت . فهذا يعني أن أمر الشورى يأتي من وراء حكم الوحي الذي هو اليوم : الكتاب والسنة وإجماع الأئمة ، رضوان اللّه عليهم ، كما يدل أيضا على أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها ، لا للإلزام أو التصويت على أساسها . ثالثا : ( التوسل والتبرك بآثار النبي صلى اللّه عليه وسلم ) ، قلنا ، إن عروة بن مسعود ، جعل يرمق أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعينيه ، قال : فواللّه ما تنخم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون